المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بيان صفة الحج والعمرة - الحث على صحبة الأخيار في الحج


محمد الفاريابي
09-21-2011, 02:10 AM
الشيخ محمد صالح بن عثيمين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده رسوله، بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهَدَ في الله، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد:
فيا أيها الناس، اتَّقوا الله تعالى .
عباد الله، إن الله - عزَّ وجل - قال في كتابه وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56 - 58] .
أيها الناس، إنكم لم تُخلقوا إلا لعبادة الله، وعبادة الله تعالى قائمة على أمرين عظيمين أساسيين، الأمر الأول: الإخلاص لله - عزَّ وجل - في عبادته، فمَن أشرك بالله أحدًا سواه فإن عبادته غير مقبولة منه، لقول الله عزَّ وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾[الكهف: 110]، ولقول الله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله تعالى قال: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»(1) .
أيها الناس، إنكم تستقبلون في هذه الأيام الحج إلى بيت الله الحرام، فعليكم أن تحقِّقوا هذا الركن العظيم، هذا الأساس العظيم للعبادة، ألا وهو الإخلاص لله عزَّ وجل، فلا تشركوا مع الله غيره في الحج ولا في غيره من العبادات، لا تحجّوا رياءً ولا سمعةً، لا تحجّوا نزهةً ولا كشتةً، حجّوا لله - عزَّ وجل - تعظيمًا لشعائره .
أما الركن الثاني الأساسي فإنه: اتّباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجه، افعلوا ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - واجتنبوا ما أمر الله ورسوله باجتنابه؛ حتى تكونوا مؤدّين لهذه العبادة العظيمة على حسب شريعة الله عزَّ وجل، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾[البيّنة: 5]،فلا بُدَّ من أن يكون الإنسان حنيفًا في عبادته، لا يتجاوز فيها ما شرعه الله ورسوله، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَن عمِل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدّ»(2)، فأقيموا هذا الركن الثاني وهو اتّباع النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن تفعلوا ما أمر الله به ورسوله وتجتنبوا ما نهى الله عنه ورسوله؛ فإن الله تعالى بحكمته ورحمته فرض فرائض وحدَّ حدودًا، ومِمَّا فرضه عليكم: أن تعظّموا شعائره وحرماته، يقول الله عزَّ وجل:﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾[الحج: 32]، ويقول الله تعالى:﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾[الحج: 30]، ألا وإن من شعائر الله مناسك الحج والعمرة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، فعظّموا هذه المناسك فإنها عبادة عظيمة، إنها نوع من الجهاد في سبيل الله.
سألت عائشة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل على النساء جهاد ؟ قال: «عليهنّ جهاد لا قتال فيه: الحجُّ والعمرة»(3) .
عظِّموا هذه المناسك بالقيام بما أوجب الله عليكم والبعد عمّا حرم الله عليكم، وليكن أمامكم دائمًا قول الله عزَّ وجل:﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾[البقرة: 197] .
قوموا بما أوجب الله عليكم من الطهارة بالماء، والصلاة جماعة في أوقاتها، والنصح للمسلمين، واجتنبوا ما حرّم الله عليكم من المحرمات العامة من الفسوق بجميع أنواعه، فاجتنبوا الكذب، والغِش، والخيانة، والغِيبة، والنّميمة، والاستهزاء بالمسلمين والسخرية منهم، واجتنبوا الاستماع إلى المعازف وإلى الأغاني المحرمة وإلى مشاهدة الأفلام المحرمة، واجتنبوا التدخين - وهو: شرب الدخان - فإنه حرام لِمَا فيه من ضرر الأبدان وضياع الأموال؛ ولأنه ينقص الحج والعمرة؛ لأن الإصرار عليه من الفسوق .
واجتنبوا ما حرم الله عليكم تحريمًا خاصًّا بسبب الإحرام وهو ما يعرف عند العلماء بمحظورات الإحرام، فاجتنبوا الرفث: وهو الجِماع ومقدّماته من اللمس والتقبيل والنظر بشهوة وتلذّذ، فالجِماع أعظم محظورات الإحرام وأشدها تأثيرًا، مَن جامَع في الحج قبل التحلل الأول لزم على جِماعه وترتب عليه أمور: الأول: الإثم، والثاني: فساد الحج، والثالث: لزوم المضي فيه، والرابع: قضاؤه من العام المقبل، والخامس: فدية وهي بدنة يذبحها ويتصدق بها على الفقراء في مكة أو في مِنى أو في مكان الجِماع .
واجتنبوا أيها المسلمون، اجتنبوا الأخذ من شعر الرأس؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] .
وألحقَ جمهور العلماء شعر بقيّة البدن بشعر الرأس وقاسوا على الشعر إزالة الأظفار وقالوا: لا يجوز للمُحرم أن يأخذ شيئًا من شعره أو أظفاره إلا أن ينكسر ظفره فيؤذيه فله أخذ ما يؤذيه فقط، فمَنْ حلق رأسه لعذر أو غيره فعليه فدية، لقول الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]، وبَيَّنَ النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن الصيام: ثلاثة أيام وأن الصدقة: إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك: ذبح شاة»(4).
واجتنبوا قتل الصيد؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95]، ولا فرق بين أن يكون الصيد طائرًا كالحمام أم سائرًا كالظباء والأرانب، فمَن قتل صيدًا متعمّدًا فعليه الجزاء مع الإثم، وهو: إما ذبح ما يماثله من الإبل أو البقر أو الغنم فيتصدق به على المساكين في مكة أو في مِنى، وإما تقويمه بدراهم يتصدق بما يساويها من الطعام على المساكين في مكة أوفي مِنى، لكل مسكين ربع صاع من البر أو نصف صاع من غير البُرِّ، وإما أن يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا، وأما قطع الشجر فلا تعلُّق له بالإحرام فيجوز، للمحرم وغير المحرم أن يقطع الشجر إذا كان خارج أميال الحرم، مثل: عرفة، ولا يجوز قطع الشجر إذا كان الإنسان داخل أميال الحرم، مثل: مزدلفة ومِنى ومكة إلا ما غرسه الآدمي بنفسه فله قطعه .
ويجوز للإنسان أن يضع البساط على الأرض في مِنى ومزدلفة وغيرهما من أرض الحرم ولو كان تحته حشيش أخضر إذا لم يقصد بذلك إتلافه .
واجتنبوا - أيها المسلمون - في الإحرام، اجتنبوا عقد النكاح وخطبة النساء؛ فإنه قد صَحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب»(5)، فلا يجوز للمحرم أن يتزوج سواء كان رجلاً أم امرأة، ولا يجوز للمحرم أن يزوِّج غيره، ولا يجوز للمحرم أن يخطب امرأة، واجتنبوا في الإحرام الطيب بجميع أنواعه دهنًا كان أو بخورًا؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تلبسوا ثوبًا مسَّه الزعفران»(6)، وقال في الرّجل الذي مات بعرفة وهو محرم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اغسلوه بماء وسدر وكفّنوه في ثوبيه ولا تخمّروا رأسه ولا تحنّطوه فإنه يبعث يوم القيامة مُلبِّيًا»(7)، فإذا مات المحرم فإنه يغسل بالماء والسدر ويكفّن في ثياب إحرامه ولا يغطى رأسه ولا يحنط، والحنوط: هو الطيب الذي يجعل في قطن على بدن الميت بعد تغسيله، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذا الرّجل الذي مات في إحرامه يبعث يوم القيامة مُلبّيًا يقول: لبّيك اللهم لبّيك كما صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:«إن الشهيد إذا قُتل في سبيل الله فإنه يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك»(8).
أيها المسلمون، إنه لا يجوز للمحرم أن يدّهن بالطيب أو يتبخر به أو يضعه في أكله أو شرابه أو يتنظف بصابون مطيّب، ويجوز للمحرم أن يغتسل وأن يزيل ما لوثه من وسخ، وأما التطيّب عند عقد الإحرام فهو سنّة ولا يضر بقاؤه بعد عقد الإحرام ولا يضر مسّه، إذا مسح الإنسان رأسه عند الوضوء فإن ذلك لا يضره، قالت عائشة رضي الله عنها: «كنت أطيّب النبي - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم، وقالت: كأني أنظر إلى وبيص المسك - أي: بَرِيقه - في مفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مُحْرم»(9) .
واجتنبوا في الإحرام تغطية الرأس بما يغطى به عادة ويلاصقه كالعمامة والغُتْرة والطّاقِيّة والثوب ونحو ذلك؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في المحرم الذي مات:«لا تخمّروا رأسه»(10)؛ أي: لا تغطوه، فأما ما لم تجرِ العادة على كونه غطاءً كالعفش يحمله المحرم على رأسه فلا بأس به وكذلك ما لا يلاصق الرأس كالشمسيّة ونحوها فإنه لا بأس به؛ لأن المنهي عنه تغطية الرأس لا تظليل الرأس .
وعن أم الحصين - رضي الله عنها - قالت:«حجَجْتُ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع فرأيت أسامةَ وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة»(11)، وتحريم تغطية الرأس خاصٌّ بالرجال، أما المرأة فيجوز لها أن تغطي رأسها وأما وجهها فالمشروع لها كشفه إلا أن يراها أحد من الرجال غير محارمها فيجب عليها ستره، ولا يجوز للمرأة أن تلبس النقاب ولا البرقع وهي مُحرِمة، واجتنبوا من اللباس في حال الإحرام ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث سئل عما يلبس المحرم فقال: «لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا الخفاف»، وقال:«مَنْ لم يجد نعلين فلْيلبس الخفّين ومَن لم يجد إزارًا فلْيلبس سراويل» (12)، وتحريم هذا اللباس خاصٌّ بالرجال، فلا يجوز للرّجل إذا أحرم أن يلبس القميص مثل ثيابنا هذه ولا ما كان بمعنى القميص كالفَنِيلة والصّدْرِيّة والكَوْت، ولا يلبس العمامة ولا ما كان بمعناها كالغُتْرة والطّاقِيّة، ولا يلبس البُرْنس وهو: ثوب يوصل بغطاء للرأس ولا ما كان بمعناه كالمِشْلح، ولا يلبس السراويل سواء كان السروال نازلاً عن الركبتين أم فوق الركبتين، ولا يلبس الخفَّين ولا ماكان بمعناهما كالجوارب وهي: الشرّاب، ويجوز له أن يلبس الساعة والخاتم ونظارة العين وسماعة الأذن وأن يعقد إزاره وأن يشبك الرداء إذا احتاج إليه وإلا فالأَولَى ألا يشبكه، ولا يشبكه بمشابك متواصلة؛ لأنه إذا فعل ذلك صار الرداء مشبهًا للقميص، ويجوز أن يلبس النعال التي فيها خياطة وأن يلبس الكمر الذي فيه خياطة؛ لأنه ليس المحرّم ما فيه الخياطة وإنما المحرّم ما نصّ عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من لبس الثياب المعتادة، ويجوز للمرأة أن تلبس من الثياب ما شاءت إذا كانت من الثياب المباحة لها قبل الإحرام، لكن لا يجوز لها أن تتبرّج بالزينة؛ لأن الرجال سوف يرونها عند الطواف والسعي، وليس للنساء ثياب خاصة للإحرام بل تلبس المرأة ما شاءت، ويحرم على المرأة والرَّجل أن يلبس القفازين وهما: شرّاب اليدين، ويجوز للمرأة والرّجل أن يغيرا ثياب الإحرام إلى ثياب أخرى يجوز لبسها سواء كان ذلك لوسخ أو نجاسة أو غيرهما .
فاتَّقوا الله - عباد الله - واجتنبوا ما حرم الله عليكم واخضعوا لله تعالى في حجكم، وعظِّموا حرماته واعلموا أنكم في عبادة من حين أن تُحرموا إلى أن تحلّوا من إحرامكم بل إلى أن تتموا نسككم، فاتَّقوا الله - أيها المسلمون - واشعروا هذا الشعور؛ حتى تكونوا مخبتين لله خاشعين له .
اللهم وفّقنا جميعًا لصالح الأعمال وجنِّبنا جميعًا سيئ الأعمال، احمنا من التفريط والإهمال، وارزقنا الإخلاص لوجهك الكريم واتّباع سنّة نبيّك محمد يا رب العالمين؛ إنك كريم واسع الفضل والعطاء .
والحمدُ لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الخطبة الثانية
الحمدُ لله، أحمده وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأسأله من فضله العظيم لنا ولكم، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد:
أيها الإخوة الحجاج، احرصوا على أن تختاروا للصحبة في حجكم الرجال الأخيار الذين وهبهم الله من العلم ما يستنيرون به وينيرون إخوانهم، والذين عندهم من العبادة والخشوع لله ما برزوا به على غيرهم، اصطحبوا الأخيار؛ فإن صحبة الأخيار خير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثلُ الجليس الصالح كحامل المسك إما أن يبيعك وإما أن يحذيك؛ أي: يعطيك بدون بيع، وإما أن تجد منه رائحة طيّبة»(13)، واحذروا صحبة البطّالين الذين يذهبون أوقاتهم في غير فائدة، والذين لا يعرفون من أحكام الحج إلا ما يصنعه الناس كأنما يقول سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، سمعت الناس يفعلون، رأيت الناس يفعلون شيئًا ففعلته .
اجتهدوا على صحبة أهل العلم وعلى صحبة أهل الدين؛ فإن صحبتهم خير، ولا حرج عليكم إذا جاءكم مَن ليس على هذا الوصف أن تدخلوه معكم لعلّ الله أن يهديه على أيديكم؛ فإن كثيرًا من الناس الذين ليسوا على جانب قوي من الدِّين إذا صحبوا أهل الدِّين تأثروا فيهم واهتدوا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«لأن يَهْدِىَ الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حُمْرُ النَّعَمِ»(14) .
اللهم وفِّقنا لصحبة الأخيار، اللهم وفِّقنا لصحبة الأخيار، واجعلنا من المتّقين الأبرار يا ذا الجلال والإكرام .
واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فعليكم بالجماعة، عليكم بالجماعة، ولست أعني بالجماعة أن تصلّوا الجماعة في المساجد فقط، وإنما أعني بالجماعة: أن تجتمعوا على دين الله في الصلوات الخمس في المساجد وفي غيرها من اجتهاداتكم وآرائكم؛ فإن يد الله على الجماعة، ومَن شذَّ شذَّ في النار، واعلموا أن الله أمركم بقوله تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، أمركم الله بالصلاة والسلام على نبيكم؛ لأن نبيكم أعظم الخلق حقًّا عليكم، هو الذي على يده اهتديتم، وهو الذي بيَّن لكم شريعة ربكم، وهو الذي نصح لكم .
فاللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم صلِّ وسلّم على عبدك ورسولك محمد .
اللهم صلِّ وسلّم على عبدك ورسولك محمد، اللهم اجْزه عنّا أفضل ما جزيت نبيًّا عن أمته، اللهم ارزقنا محبته واتّباعه ظاهرًا وباطنًا، اللهم توفّنا على ملّته، اللهم احشرنا في زمرته، اللهم أسْقنا من حوضه، اللهم أدخلنا في شفاعته، اللهم اجمعنا به في جنات النعيم في جوارك يا رب العالمين مع الذين أنعمت عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين.
اللهم ارضَ عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي أفضل أتباع المرسلين، اللهم ارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم ارضَ عنّا معهم وأصْلح أحوالنا كما أصْلحت أحوالهم يا رب العالمين .
اللهم أصْلِح للمسلمين ولاة أمورهم، اللهم أصْلِح للمسلمين ولاة أمورهم، اللهم أصْلِح للمسلمين ولاة أمورهم، اللهم مَنْ كان من ولاة أمور المسلمين غير مستقيم على شرعك ولا ناصح لعبادك فأبدله بخير منه أو اهده إلى الحق يا رب العالمين .
اللهم مَنْ كان من ولاة أمور المسلمين قائمًا بشرعك ناصحًا لعبادك فثبّته على ذلك وأيِّده يا ذا الجلال والإكرام .
اللهم أصْلح لولاة أمور المسلمين بطانتهم، اللهم أبْعد عنهم كل بطانة سوء يا رب العالمين .
اللهم أصْلح لولاة أمور المسلمين بطانتهم، اللهم أبْعد عنهم كل بطانة سوء يا رب العالمين .
اللهم أصْلِح ولاة أمورنا صغيرهم وكبيرهم يا ذا الجلال والإكرام، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]، ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾[آل عمران: 147] .
عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾[الحشر: 91-91]، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نِعَمِهِ يزِدْكُم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾[العنكبوت: 45] .
--------------------
(1) أخرجه مسلم في كتاب [الزهد والرقائق] رقم [5300] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ت ط ع .
(2) أخرجه البخاري في كتاب [الصلح] رقم [2499] من حديث عائشة رضي الله عنها، وأخرجه مسلم في كتاب [الأقضية] رقم [3243] من حديث عائشة رضي الله عنها، ت ط ع .
(3) أخرجه ابن ماجة في سننه في كتاب [المناسك] رقم [2892] من حديث عائشة رضي الله عنها، وأخرجه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في مسنده، رقم [24158] ت ط ع .
(4) أخرجه البخاري في كتاب [الحج] رقم [1688] من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه .
(5) أخرجه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب [النكاح] من حديث أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، رقم [2522] ت ط ع .
(6) أخرجه البخاري في كتاب [الحج] رقم [1442] من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه مسلم في كتاب [الحج] رقم [2012] من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .
(7) أخرجه البخاري في كتاب [الحج] رقم [1718] من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه مسلم في كتاب [الحج] رقم [2092] من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .
(8) أخرجه البخاري في كتاب [الجهاد والسير] رقم [2593] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه مسلم في كتاب [الإمارة] رقم [3486] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومالك في [الموطأ] في كتاب [الجهاد] رقم [1873] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ت ط ع .
(9) أخرجه مسلم في كتاب [الحج] رقم [2054] من حديث عائشة رضي الله عنها، وأخرجه أبو داوود في سننه، رقم [1484] من حديث عائشة رضي الله عنها، ت ط ع .
(10) سبق تخريجه في حديث رقم [ 7 ] .
(11) أخرجه مسلم في كتاب [الحج] رقم [2288] من حديث أم الحصين رضي الله عنها، وأخرجه أبو داوود في سننه في كتاب [المناسك] رقم [1563] من حديث أم الحصين رضي الله عنها، وأخرجه الإمام أحمد في سننه، رقم [25998] من حديث أم الحصين رضي الله عنها .
(12) أخرجه البخاري في كتاب [الصلاة] رقم [353] من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه مسلم في كتاب [الحج] رقم [2013] من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ت ط ع .
(13) أخرجه البخاري في كتاب [الذبائح والصيد] رقم [1508] من حديث أبي موسى رضي الله عنه، وأخرجه مسلم في كتاب [البِر والصلة والآداب] رقم [4762] من حديث أبي موسى رضي الله عنه .
(14) أخرجه البخاري في كتاب [المغازي] رقم [2888] من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، وأخرجه مسلم في كتاب [فضائل الصحابة] رقم [4420] من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، ت ط ع .