منتديات الإسلام والسنة  

العودة   منتديات الإسلام والسنة > المنتديات الشرعية > منتدى الدفاع عن الإسلام والسنة


إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )  أعطي أ/أحمد مخالفة
أ/أحمد غير متواجد حالياً
 
أ/أحمد
عضو مميز
الأوسمـة
بيانات الإتصال
آخر المواضيع
 
رقم العضوية : 121
تاريخ التسجيل : Apr 2011
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 1,285 [+]
آخر تواجد : [+]
عدد النقاط : 10

افتراضي الجديد في ترجيح النهي عن قول فلان شهيد إلا بنص صحيح أو اتفاق سديد 2

كُتب : [ 02-14-2012 - 09:16 AM ]

الفصل الثاني : أدلة من جوز تسمية المعين بالشهيد بلا نص أو اتفاق سديد .


وأعني بها الأدلة التي جاء ذكرها في بحث الشيخ عبد الله زقيل - حفظه الله- فيما نقله من الكتاب المذكور ، ومن غيره لمن استشهد على ذلك برأي أو فتوى لبعض العلماء ..
وأنا لا أقصد الرد على شيخنا الزقيل ، فقد علمناه محققا ثبتا ، داعيا إلى منهج أهل السنة ومن أهلها ، ملما بحوادث العصر بإتقان ، وإنما عولت على بحثه لكثرة الأدلة التي استشهد بها الطرف الآخر المجيز ..
فنقول والله المستعان :

الدليل الأول على الجواز :
وهو استدلالهم بحديث : المؤمنون شهداء الله في الأرض .
فأنقل ها هنا رواية جمعها الألباني جمعا حسنا ووفق بين زياداتها ..
عن أنس رضي الله عنه قال : مر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة ، فأثنى عليها خيرا ، ( وتتابعت الألسن بالخير) ، فقالوا : ( كان - ما علمنا - يحب الله ورسوله ) ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : وجبت وجبت وجبت، ومر بجنازة فأثني عليها شرا ( وتتابعت الألسن لها بالشر ) ، ( فقالوا : بئس المرء كان في دين الله ) ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : وجبت وجبت وجبت ، فقال عمر : فدى لك أبي وأمي ، مر بجنازة فأثني عليها شرا ، فقلت : وجبت وجبت وجبت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار ( الملائكة شهداء الله في السماء ، و) أنتم شهداء الله في الأرض ، أنتم شهداء الله في الأرض ، أنتم شهداء الله في الأرض ، ( وفي رواية : والمؤمنون شهداء الله في الارض ) ، ( إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر ) .
خرجه الألباني في أحكام الجنائز (1/44) وقال : أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وصححه ، وابن ماجه والحاكم والطيالسي وأحمد من طرق عن أنس ، والسياق لمسلم ، والرواية الأخرى لابن ماجه ، ورواية لأحمد والبخاري ، والزيادات كلها إلا التي قبل الأخيرة لأحمد ، وللبخاري الأولى منها ، وللحاكم الأخيرة وصححها ، ووافقه الذهبي وهو كما قالا .. الخ
ومثله حديث : يوشك أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار ! قالوا بم ذاك يا رسول الله ؟ قال بالثناء الحسن والثناء السيئ ، أنتم شهداء الله بعضكم على بعض .
الحديث رواه أحمد وابن ماجة والحاكم والبيهقي وحسنه الألباني .
ملاحظة مهمة جدا :
وهي أن من استشهد بهذا الحديث على جواز الشهادة للمعين بأنه شهيد تجنى على الأدلة وفعله ظاهر الخطأ ، إذ إنه سوى بين الشهادة للمعين بأنه من أهل الجنة والشهادة للمعين بأنه شهيد ، والفرق ظاهر ومر معنا بيان للفرق بينهما .
والكلام على الحديث في نقاط ثلاث :
الأولى في صفة الثناء :
ففي رواية الحاكم : فقالوا كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها . وقالوا للتي أثنوا عليها شراً : كان يبغض الله ورسوله ويعمل بمعصية الله ويسعى فيها .
ففيه تفسير ما أبهم من الخير والشر في رواية الشيخين .
وقال النووي : وهذا الحديث محمول على أن الذي أثنوا عليه شراً كان مشهوراً بنفاق أو نحوه .
وقال الحافظ : يرشد إلى ذلك ما رواه أحمد من حديث أبي قتادة بإسناد صحيح أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل على الذي أثنوا عليه شراً وصلى على الآخر . اهـ
الثانية : ممن الثناء على الحقيقة :
قد وقع في رواية النضر بن أنس عن أبيه عند الحاكم في آخر الحديث : إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر .
وهي هنا فيصل الأمر في المسألة ، إذ إنها أرجعت حقيقة شهادة الناس للمحسن المستحق بفضل الله الجنة ، وللمسيء المستحق بمعصيته النار ، إلى أمر غيبي وهي نطق الملائكة على ألسنة البشر ، وهذا كاف في أن تلك الشهادة من الله حقيقة ويبنى عليها أن تلك الشهادة تؤدي إلى الشهادة بالجنة والنار حقيقة .
الثالثة : هل هذا الثناء موجب للجنة ؟
جاء في شرح مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي (5/793) قال :
ونقل الطيبي عن بعض شراح المصابيح : أنه قال ليس معنى قوله "أنتم شهداء الله" أن ما يقول الصحابة والمؤمنون في حق شخص يكون كذلك ؛ لأن من يستحق الجنة لا يصير من أهل النار بقولهم " ولا من يستحق النار " يصير من أهل الجنة بقولهم ، بل معناه أن الذي أثنوا عليه خيراً رأوا منه الصلاح والخيرات في حياته ، والخيرات والصلاح علامة كون الرجل من أهل الجنة ، والذي أثنوا عليه شراً رأوا منه الشر والفساد ، والشر والفساد من علامة النار ، فترجى الجنة لمن شهد له بالخير ، ويخاف النار لمن شهد له بالشر وتعقبه . اهـ
وفيها أيضا : فقيل : هذا مخصوص بمن أثنى عليه أهل الفضل وكان ثناءهم له مطابقاً لأفعاله فهو من أهل الجنة فإن كان غير مطابق فلا وكذا عكسه ..
والصحيح أنه على عمومه وإطلاقه ، وأن كل مسلم مات فألهم الله الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلاً على أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا إذ العقوبة غير واجبة بل هو في خطر المشيئة ، فإذا ألهم الله الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه تعالى قد شاء المغفرة له ، وبهذا تظهر فائدة الثناء ، وإلا فإذا كانت أفعاله مقتضية للجنة لم يكن للثناء فائدة ، وقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم له فائدة .
قال الحافظ : وهذا في جانب الخير واضح ، ويؤيده ما رواه أحمد وابن حبان والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعاً : ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيراً ، قال الله تعالى : قد قبلت قولكم وغفرت له مالا تعلمون .
وأما جانب الشر فظاهر الأحاديث أنه كذلك ، لكن إنما يقع ذلك في حق من غلب شره على خيره . اهـ
ومن الخلاف هنا : هل هذا خاص بزمن الصحابة أم أنه عاما للمؤمنين في كل زمان ؟
الصحيح المختار : أنه عاما ولكن في غير زمن الصحابة يحتاج إلى الإجماع ..
كما قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وكذلك من أجمعت الأمة على الثناء عليه فإننا نشهد له بالجنة فمثلا الإمام أحمد رحمه الله الشافعي أبو حنيفة مالك سفيان الثوري سفيان بن عيينة وغيرهم من الأئمة أجمعت الأمة على الثناء عليهم فنشهد لهم بأنهم من أهل الجنة. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أجمع الناس بالثناء عليه إلا من شذ ومن شذ ، شذ في النار يشهد له بالجنة على هذا الرأي . اهـ والله أعلم .
أما ما جاء في شرح العقيدة الطحاوية للشيخ خالد بن عبد الله المصلح قال :
فيرى شيخ الإسلام رحمه الله أن شهادة الأمة لشخص بأنه من أهل الإحسان ، وأنه من أهل الجنة ؛ يسوغ الشهادة له بالجنة كالأئمة الأربعة وغيرهم ممن لهم لسان صدق في الأمة ، وقدموا سبقاً فيها ، لكن هذا خلاف ما عليه الأكثرون من أنه لا يشهد لأحد بالجنة إلا من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن كان له لسان صدق في الأمة فإنه يكفي أن نقول : يرجى له كغيره ؛ لأن شهادتنا لمعين بجنة أو بنار لن تقدم ولن تؤخر ما عند الله جل وعلا ، فإن كان من أهل الجنة فلن تزيده شهادتنا فضلاً ، وإن كان من أهل النار فلن تزيده عذاباً وسخطاً . اهـ
فرده على شيخ الإسلام غير صحيح لأن ابن تيمية قيده بشهادة الأمة وهي في معنى الإجماع وهو قيد قوي وله مكانته في التشريع ..
وعليه فرأي الجمهور هو الصواب ، وهو أنه لا يشهد لأحد بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا إذا ورد نص أو إجماع أو ما يقرب منه وهو شهادة الأمة .
وأعني بالإجماع هنا ما يراد به حكم الجماعة المسلمة في وقت ما على المعين بأنه من أهل الجنة ، فهو من أهل الجنة إن شاء الله تعالى حسب الظاهر للمسلمين وقتئذ ولا يقطع به جزما لأنه ضرب من الغيب ، لذلك نصوب من يقول : هو من أهل الجنة إن شاء الله تعالى ..
وبان لنا من رواية الحاكم أن هذا الثناء إنما هو من فعل الملائكة على الحقيقة ..
وعلى هذا نقول : إذا ثبت أن هذا الحديث يتكلم عمن يستحق الجنة من أهل الفضل والصلاح بشهادة المؤمنون ، فلا يصح الاستثناء للمعين بالشهادة فنقول هو شهيد إن شاء الله ، للنهي الوارد فيما ذكرنا أعلاه ، وإنما نقول نرجو له الشهادة أو نقول بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما علمنا أمير المؤمنين عمر : من فعل كذا فهو شهيد .. والله أعلى وأعلم .

الدليل الثاني على الجواز :
وهو إقرار النبي للصحابة على قولهم فلان شهيد .
فأورد مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال :
لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابه النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا فلان شهيد فلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة .. الحديث
فقال المجوزون :
في الحديث قد أقرهم على القول بالشهادة لمن هم قبل صاحب البردة ؟
وفي الحديث نهي عن القول لعلة ، وهي الغلول ، ولم يطلع عليها غيره صلى الله عليه وسلم .
فيقال : هاهنا ثلاثة مسائل هامة جدا :
المسألة الأولى : عن قوة سند حديث مسلم .
ففي حديث مسلم هذا عن عمر وفيه قولهم : فلان شهيد فلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلا .. الخ
هو من أفراد مسلم ، وليس متفقا عليه كما أوهم البعض أنه في الصحيحين ، ولا حتى رواه البخاري أصلا ، وإنما رواه أحمد وابن حبان والبيهقي وغيرهم من طريق عكرمة بن عمار عن أبي زميل حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب به .
وعكرمة بن عمار احتج به الجماعة إلا البخاري وهو صدوق يغلط .
وذكره ابن حجر في طبقات المدلسين (1/42) وقال : وصفه أحمد والدارقطني بالتدليس . وفي جامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلائي ( 1/108 ) قال: ذ كره أبو حاتم الرازي بذلك .
وقال البيهقي في السنن الكبرى (1/134 حديث رقم 634 وفي 8/303 حديث رقم: 17212): وعكرمة بن عمار قد اختلفوا في تعديله ، غمزه يحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وضعفه البخاري جدا. وقال: اختلط في آخر عمره وساء حفظه ، فروى ما لم يتابع عليه . اهـ
ونقله عنه ابن الكيال في كتابه الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات (1/492) كالمقر له ، ولم يحكي غيره .
وفي ترجمته في الميزان قال في آخرها : وفي صحيح مسلم قد ساق له أصلا منكرا عن سماك الحنفي عن ابن عباس في الثلاثة التي طلبها أبو سفيان .. اهـ
قلت رواه مسلم في فضائل أبي سفيان ( رقم: 6565 ) ..
وقال المعلمي اليماني رحمه الله في الأنوار الكاشفة (1/224) عنه: وفي سنده عكرمة بن عمار موصوف بأنه يغلط ويهم ، فمن أهل العلم من تكلم في هذا الحديث وقال انه من أوهام عكرمة ، ومنهم من تأوله .. اهـ
الشاهد مما ذكرت : أنه هو نفس السند ها هنا .. فقد رواه عكرمة عن أبي زميل عن ابن عباس .
وأبي زميل : هو سماك بن الوليد الحنفي ، وهو الآخر قد ضعفه أحمد ووثقه ابن معين ، وخلاصة رتبته عند الذهبي وابن حجر : صدوق لا بأس به .
ولذلك غمزه النووي في شرحه على مسلم فقال : في الإسناد أبو زميل .
وعكرمة بن عمار شيخ من شيوخ أهل السنة منافحا عن العقيدة محاربا للقدرية وقالوا انه كان مستجاب الدعاء .. إلا أننا يهمنا هنا حفظة وضبطه لما يروي ، وهو وإن وثقه موثق فقد ضعفه آخرين ، ومن توسط ، قال هو صدوق يغلط ..
وعموما .. الحديث لا نجازف بضعفه ، وإنما نشير إلى تفاوت قوته عن غيره من الأحاديث ، لأن كثيرا من الأخوة جعلوه الدليل الوحيد على الجواز ..
المسألة الثانية : هل النهي كان لعلة الغلول فقط ؟
قالوا : في الحديثين نهى عن القول بشهادة الغال ولا حرج في القول بها لغيره ..
فيقال لهم : ومن يعلم الغال من غيره وهو غيب ؟
ويقال أيضا : من قال أن الغال فقط هو من لا يستحق أن يقال عنه شهيد تعيينا ؟
فالمسألة برمتها تقضي بظاهرها على عدم الجزم للمعين بأنه شهيد ، واستثناء الغال إنما هو دليل لنا لا علينا ، لأن مساق الحديث على الأصل جاء لهذا الغرض كما هو واضح ، ويكفي أن راويه هو عمر الذي نهى على المنبر بتسمية من قتل بالشهيد كما سيأتي .
المسألة الثالثة :
قالوا بأن إقراره صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لمن قال منهم " فلان شهيد ، فلان شهيد " كاف في الجواز ، لأن إقراره صلى الله عليه وسلم لهم هو إقرار للأمة ؟
فيقال لهم : هذا في حضوره ، وإقراره صلى الله عليه وسلم من سنته ولأنه نبي يوحى إليه ، أما بعد وفاته فلا يجزم به لانقطاع الوحي كما هو ظاهر.
ونتفق معكم أن إقراره صلى الله عليه وسلم للصحابة هو إقرار للأمة .. وهذا أمر بدهي لا يختلف عليه ، إن شاء الله تعالى .. ولكن في القضية نصوص صريحة جازمة - كما مر معنا – وأهمها ما جاء عن عمر رضي الله عنه في النهي عن تسمية المعين بالشهيد على المنبر بحضور الصحابة !! ومثله عن ابن مسعود رضي الله عنهما .. ولا مخالف لهما من الصحابة .
بل جاء عند ابن عبد البر في التمهيد قوله : وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضرب من يسمعه يقول : من قتل في سبيل الله فهو شهيد ، ويقول لهم : " قولوا من قتل في سبيل الله فهو في الجنة ". اهـ
وأزيد هذه المسألة بيانا فأقول : أن قول الرهط من الصحابة " فلان شهيد ، فلان شهيد " مع الإقرار النبوي ، هو بمثابة الإجماع على تعيين الشهيد ، وهو ما تمسك به جمهور أهل السنة فقالوا : إلا بنص ... كما مر .
وتقييدنا الجواز بالنص والإجماع .. ليس هو الإجماع الأصولي وما يدور حوله من إشكالات وقيود ، وإنما أعني بالإجماع هو ما ذكره شيخ الإسلام وأسماه " شهادة الأمة " أي شهادة أهل العدل والصلاح ..
أمر آخر : وهو النصوص الكثيرة المذكورة في النهي عن الجزم للمعين بالجنة فضلا عن الشهادة .. كما مرت مفصلة مرتبة .
ولو لم يكن إلا قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين : إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار .. الحديث
فما " يبدو للناس " ليس حكما على نية الرجل وحقيقة مآله ، وإنما ما ظهر لهم من التقوى والصلاح والخير والعبادة يشهدوا به ، ويتوقفوا في الشهادة له بالجنة أو أن يطلقوا عليه شهيدا ، لأنه غيب عنهم ، ويصح فقط عندما تشهد له الأمة بصورة يستحيل نقضها .
ثم ماذا نفهم من مساق الحديث على الأصل .. ماذا نستنتج بداهة إذا علمنا أن الراوي هو عمر ، وأن آخر الحديث ينفي الجزم لقتيل في المعركة بالشهادة .
ولنقل جدلا أن الإقرار على هذه الصورة المذكورة في الحديث .. يثبت جواز القول للمعين المقتول في المعركة بأنه شهيد .. هل يقارن بالنصوص الكثيرة المذكورة في النهي عن الجزم بمآل المسلم ؟
وهل يتساوى الإقرار السكوتي في حديث واحد حول ثبوته كلام ، بالسنة القولية الصحيحة والمذكورة في أحاديث كثيرة ؟
وإذا كان الحديث يفهم منه بعض العلماء ما ذكر من الجواز ، فهل لا ينهض نهي عمر وابن مسعود رضي الله عنهما - ولا مخالف لهما من الصحابة والتابعين- في فهم خلاف ما هو متبادر على رأي بعض العلماء الأجلاء ؟
والنص من الصحابة على تسمية معين بأنه شهيد ، قد يكون في حكم المرفوع إن كان ما قالوه لا يقال بالرأي ، ولو في زمن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، واضرب لهذا النوع بمثل : وهو حديث طلحة بن عبيد الله الذي سماه النبي شهيدا يمشي على الأرض ، وما مات إلى في الفتنة يوم الجمل ، فلا يشك عاقل أنه من الشهداء ..
وقد يقال من الصحابة بالرأي والاجتهاد ، والحكم هاهنا هو القرينة الظاهرة ..
فهل إطلاق الصحابة على تعيين أشخاص بعينهم أنهم شهداء ، يساوي شهادة من بعدهم على المعين بذلك ؟
هل يتساوى حكم الصحابة على بعضهم ، بحكم من بعدهم على من في زمنهم ؟
إن كان الجواب بنعم .. فقد أهدرت نصوص لا تحصى كثرة وشهرة في الفرق بين الصحابة ومن بعدهم ..
وإن كان الجواب بالنفي .. فقد التئم الصدع وزال الخلاف وثبت المراد والحمد لله ..

الدليل الثالث على الجواز :
قول الإمام ابن حجر : ولذلك أطبق السلفُ على تسميةِ المقتولين في بدرٍ وأحدٍ وغيرهما شهداء .. اهـ
قلت : هذا صحيح ، ومن أكمل كلام ابن حجر سيعرف أنه إنما ذهب إلى ترجيح النهي عن تسمية المقتول في الجهاد والمعارك بأنه شهيد ولكن يأخذ أحكام الشهداء كما مر نص كلامه في الفتح على شرح حديث أبي هريرة ..
والكلام على هذا الاعتراض من ناحيتين :
الناحية الأولى : أن يقال هذه التسمية كانت مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم نص على ذلك وأقر ولأن هذا لا يعلم إلا بالوحي .. فلا يقاس عليه غيره بعد انقطاع الوحي.
ولذلك كلام جمهور أهل السنة : لا يقطع لأحد بالجنة إلا بالنص ، كما ذكرنا .
فأما النص على أن أهل بدر شهداء ، ففي قوله صلى الله عليه وسلم : لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ..
وأما أهل أحد فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد .. وقال : أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة .. رواهما البخاري .
فهذان نصان لبدر وأحد خاصة ، ولا يحتملا التأويل ولا يقاس عليهما لانقطاع الوحي .
الناحية الثانية : أن يقال على شهداءُ أحدٍ ، وشهداءُ بدرٍ ، وشهداءُ اليمامة ، وشهداء اليرموك ، والقادسية ، ومعركة الجسر ، وحطين .. الخ
أن هذا إجماع صحيح على الجملة .. وكذلك نقول على الجملة مثلا : قتلى حروب المسلمين أهل السنة المشهورة في تاريخ الأمة إلى عصرنا كلهم شهداء ..
لأن الجمهور منهم شهداء ما خرجوا إلا ابتغاء وجه الله ونصرة دينه ، فتصح تسمية الجميع شهداء على الغالب ..
فمثلا قوله صلى الله عليه وسلم : نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب .. كما في الصحيح .. لا يراد به الحصر وإنما كما قال ابن حجر : المراد أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة وهو محمول على أكثرهم .
وما استثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علمناه يقينا أنه ليس بشهيد لفعل فعله .
وعلينا القياس الصحيح فنقول الشهيد هو من خرج بنية الجهاد في سبيل الله ونصرة دينه لا يبتغي غير ذلك ، ومن فعل فعلة كالغلول أو غيره مما نص عليه فلا يقال عنه شهيد كما صحت به الأحاديث ..
ونقاشنا على المعين أو المعينين من الأفراد .. لا مجموع من خرج في معركة من معارك الإسلام ..
فلا يصح أن نقول عن شخص بعينه : فلان شهيد .. إلا إذا جاء تعيينه بنص أو إجماع وأعني به اتفاق الأمة على أنه شهيد .

الدليل الرابع على الجواز :
شهادة السلف لعددٍ من الصحابة منهم : هشام بن العاص ، وقُثَم بن العباس ، والبراء بن مالك والنعمان بن مقرن بالشهادة ، وكذا ما ذكره الذهبي في السير قول يحيى بن معين عن أحمد بن نصر المروزي : ختم الله له بالشهادة .. وغير ذلك .
أقول : بإمكاني القول للمعترض : أيهما أولى بالإتباع ، كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام عمر وابن مسعود الصحابيان أم كلام غيرهما ؟ وكلامي صحيح جملة وتفصيلا .
ولكنني أبين أن ظاهر هذه الأقوال محض اجتهاد لا يقف أمام النهي الصريح فيما مر معنا من أدلة إن شاء الله تعالى .
ويضاف أن هذا على أفراد معدودين وليس إجماعا يستحيل نقضه .
والصحيح كما قررنا أنه إن شهدت الأمة بهذا للمعين واتفقت عليه فهو مرادنا ، لأنا قيدنا الجواز بشهادة الأمة ، وأنه يساوي الإجماع .

الدليل الخامس على الجواز :
أن البعض استشهد بحديث حرام بن ملحان في قصة شهداء بئر معونة ، وقوله بعدما قتله أحد المشركين : فزت ورب الكعبة .. وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على ذلك ..
فنقول : هذا وصف منه لحاله ، ومعلوم أنه أراد بقوله فزت : أي بالشهادة ، وهو رضي الله عنه يقولها وهو مطعون في الرمق الأخير ، فلما عاين ما عاين شهد لنفسه..
أما عن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم فإنما هو لإخبار جبريل عليه السلام له أن السبعين من أصحابه قد لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم .. كما في نص رواية أنس في الصحيحين .
والتقرير هو أحد وجوه السنة وهو بالوحي وفي عصره ، والآن قد انقطع ، فلا يقاس عليه غيره إلا بإجماع الناس على شخص بعينه ..

الدليل السادس على الجواز :
اعتراض ابن عاشور على تبويب البخاري
وهو ما نقله الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله – في معجم المناهي اللفظية ( ص320) عن قول محمد الطاهر بن عاشور - رحمه الله - في كتابه : النظر الصحيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح ( ص 118 ) عن ترجمة البخاري في الصحيح : باب لا يقال فلان شهيد .. قال ابن عاشور :
هذا تبويب غريب ، فإن إطلاق اسم الشهيد على المسلم المقتول في الجهاد الإسلامي ثابت شرعًا ، ومطروق على ألسنة السلف فمن بعدهم ... والوصف بمثل هذه الأعمال يعتمد على النظر إلى الظاهر الذي لم يتأكد غيره ، وليس فيما أخرجه البخاري هنا إسناد وتعليق ما يقتضي منع القول بأن فلانًا شهيد ، ولا النهي عن ذلك . فالظاهر أن مراد البخاري بذلك أن لا يجزم أحد بكون أحد قد نال عند الله ثواب الشهادة ؛ إذ لا يدري ما نواه من جهاده ، وليس ذلك للمنع من أن يقال لأحد : إنه شهيد ، وأن يجرى عليه أحكام الشهداء ، إذا توفرت فيه ، فكان وجه التبويب أن يكون : باب لا يجزم بأن فلانًا شهيد . اهـ
فأقول بعون الله وتأييده : في كلامه - رحمه الله - ثلاثة مسائل :
الأولى على قوله : إطلاق اسم الشهيد على المسلم المقتول في الجهاد الإسلامي ثابت شرعًا ، ومطروق على ألسنة السلف فمن بعدهم .. اهـ
قلت : الثبوت شرعا من ناحيتين ، ناحية نوع الشهادة وهو الوارد ، وناحية التعيين والتخصيص ، فلم يطلق بلا قيد . وتسمية السلف ليست شرعا يتبع لا سيما إذا وجد النص المخالف ، وإن أريد به اتفاقهم على الشهادة للمعين ، فهو مرادنا لأننا قيدنا جواز الشهادة للمعين بالنص واتفاق الأمة ..
الثانية على قوله : وليس فيما أخرجه البخاري هنا إسناد وتعليق ما يقتضي منع القول بأن فلانًا شهيد ، ولا النهي عن ذلك .. اهـ
قلت : ولكنه لو قرأ شرح ابن حجر لعلم أن البخاري رحمه الله يشير بذلك إلى النهي الوارد عن أمير المؤمنين عمر - كما مر – وما ذكره في الباب فيه النهي عن القطع لأحد بالجنة كما هو ظاهر ، وهو ما رجحه ابن حجر في الفتح .
الثالثة على قوله : وليس ذلك للمنع من أن يقال لأحد : إنه شهيد ، وأن يجرى عليه أحكام الشهداء ، إذا توفرت فيه ... اهـ
قلت : المنع تحقق بنصوص صريحة ومنها ما ورد عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما ، أما أن تجري أحكام الشهادة على من توفرت عنده أسباب الشهادة فهو الوارد شرعا فيؤخذ به ونكل نيته إلى خالقه ..

الدليل السابع على الجواز :
الاستدلال بالظاهر للشهيد كالإيمان والإسلام
أن من الأخوة من قال : بقياس إطلاق اسم الإسلام على المسلم مع عدم العلم بباطنه فكذلك الشهيد .. وهو قياس ليس في محله .. وأولى به أن يقيس اسم الإيمان على المسلم ، والآية تقول : ( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) [ الحجرات -14] ومسألة الاستثناء في الإيمان مشهورة عن السلف .
ولا يقاس هذا أيضا على الوصف للمعين بالشهادة فيقال مؤدى الإيمان والإسلام الجنة ، ومؤدى الشهادة الجنة أيضا ، فهما سواء ..
لأن للشهادة فضائل وخصوصيات معلومة في الشرع ، ولا تخفي حتى على العوام من الناس كما هو معلوم .
فإن قال قائل : لماذا تمنعون من تسميته شهيدا ، وتعطونه حكم الشهيد فيدفن بثيابه ولا يغسل ؟
فالجواب : أن الشريعة فيها من يتسمى بالاسم ولا يأخذ حكمه ، ومن يأخذ حكم الشيء ولا يتسمى باسمه .. وهذا كثير ..
ثم المسألة مركبة على الإتباع دون الاعتراض .. فقد جاء النص على دفن المقتول في المعركة بثيابه ( زملوهم بدمائهم ، وفي رواية : في ثيابهم ) وكذلك المحرم ( يكفن في ثوبيه ) كما لم يثبت غسل شهيد المعركة ، وثبت لغيره ، وجاء النهي في عدم الجزم بمآله وأن حكمه إلى الله .. فمرجع الأمر على إتباع الوارد شرعا ، والله أعلم .


الدليل الثامن على الجواز :
أن البعض يستشهد بالفتاوى والآراء لبعض الأجلة من العلماء ..
ونقول أن الفتاوى ولو كانت لشيخ الإسلام يجب النظر في أدلتها ووجه الفتوى .. لأن فتوى العلماء لا تضاهي فتوى الصحابة والتي لها مكانة في التشريع ..
ونحن في موضوعنا نتعامل مع نصوص شرعية ، وهي كفيلة أن تعطي لنا حكما شرعيا بالجواز أو المنع .. ومع ذلك نعلق على بعض الفتاوى وأشهرها .
فمنها فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية عن شهيد البحر ..
فجوابه كان عن حكم الفعل نفسه ، نعم الغريق شهيد للحديث الوارد فيه بلا منازعة .. فهي فتوى عامة وحقها أن تخصص عن هذا الغريق بعينه هل يقال له شهيد أم لا ؟
والمتأمل في إجابته يجده قد وضع قيدا غفل عنه من استشهد بكلامه ، وهو بالقيد المذكور يرجع المسألة إلى الغيب والذي لا يعلمه إلا الله .
وكذلك فتوى الإمام ابن باز رحمه الله تعالى وقوله : كل من سماه النبي صلى الله عليه وسلم شهيدا فإنه يسمى شهيدا .. الخ
فهذا هو الحق الذي لا يراد غيره ، وهو مرادنا قطعا ، وفتواه ليس فيها إشارة للقول بها للمعين .. وقوله في الفتوى الأخرى عمن قتل في مكافحة المخدرات :
ومن قتل في سبيل مكافحة هذا الشر وهو حسن النية فهو من الشهداء . الخ
فتقييده بحسن النية يفهم منه أنه أراد الحكم على هذا العمل كليا بأنه شهادة وليس يفهم منه القول للمعين أنه شهيد لأنه قتل في مكافحة المخدرات ، وتقييده بحسن النية لا يفهم منه غير ذلك لأن النية محلها القلب ولا يعلمها إلا علام الغيوب .
ويضاف إلى ذلك أيضا ، ما جاء في مجموع فتاوى الإمام ابن باز رحمه الله تعالى (13/121) وقد سئل : من مات من المعركة متأثرا بجراحه هل يغسل ويكفن ويصلى عليه ؟
فأجاب بقوله : نعم يغسل ويكفن ويصلى عليه , ويرجى له أجر الشهيد إذا خلصت نيته . اهـ
فهاهو يرجى لمن وصف الشهادة ، وقيده بحسن النية ، وحسن النية هنا يراد به على جهاده وهل كان حسن النية أم لا ؟
ولماذا لا نأخذ بفتاوى من قال بالمنع وهم أكثر عددا مثل الإمام الألباني وابن عثيمين وغيرهما رحمة الله على الجميع ..
وأذكر ما قاله الشيخ مقبل بن هادي الوادعي - رحمه الله - في كتابه مقتل جميل الرحمن - رحمه الله – وهو من أعلام السلفية وإمام من أئمة الحديث .
قال : ولذلك فإن أولياء الشيخ جميل الرحمن - رحمه الله تعالى- وجماعة الدعوة لا يسمحون للناس ، بنشر صور الشيخ ولا بوصفه بالشهيد ، فالله أعلم بمن يكلم في سبيله ، ولكننا ندعوا الله له بالرحمة والشهادة وأن يتقبل عمله ، ويجعله في جنان فردوسه. اهـ
وقس على هذه فتوى اللجنة الدائمة ، مع أنها أشارت إلى حكم الغسل أكثر منها على حكم القول للمعين بأنه شهيد .
والفتاوى العارية عن النصوص المستشهد بها لا تؤخذ قبل معرفة الدليل ، وإن وجد فلينظر إلى وجه الاستدلال منها وهل هو صحيح أم لا .. والله المستعان .

الخاتمة ونتائج البحث

تبين من هذا العرض للموضوع : أن أدلة المانعين مع صحتها قطعية الدلالة ، غاية في الوضوح .. أما أدلة القائلين بالجواز فما هي إلا فهم من بعض النصوص وقياس بنوا عليه حكمهم .
ومعنا النهي الصريح في السنة عن الجزم للمعين كما مر وبينا الأحاديث ، وتقرر هذا بفعل الصحابة وأقوالهم كما نقلنا قول عمر وابن مسعود وهما من هما ، مع عدم العلم بالمخالف لهما .. مع اعتقاد الكثير من أئمة السلف .
وبالنسبة للفتاوى .. فمنالأدب واحترام وإجلال العلماء ألا نضرب رأي ابن عثيمين بابن باز ولا نرجح ما رجحه الألباني لمحبتنا له ، وإنما لإتباع الحق .
فالدليل فوق كل كبير من عالم وخبير ، وهو مما تقرر بداهة في منهج السلفية الحقة.
فهم قالوا ما فهموه من النصوص وعليه بنوا أصل فتاواهم ، وكل مأجور بإذن الله تعالى ..

محاولات التوفيق بين الفريقين
وقد حاول الكثير التوفيق بين الرأيين .. فمن محاولات التوفيق :
1- قول من قال : القول أنفلان شهيد ، لا يلزم أن يكون شهيداً في الآخرة ، إنما يكون شهيداً في الدنيا بمايظهر للناس . اهـ
قلت : هذا التفصيل خلاف الظاهر، والكلمة عند الإطلاق ، لا تعني إلا الشهادة ومرتبتها العظيمة في الآخرة ، وهو المعلوم عند الإطلاق بداهة ، وعلى من فرق أن يأتي بالدليل .
فمقولة شهيد الدنيا وشهيد الآخرة أظنها حادثة والعلم عند الله تعالى .
2- أنَّ اسم الشهيد يجوز إطلاقُهُ اسمًا دنيويًّا ، كما يُحكم له بجميع أحكام الدنيا ، وأمَّا إطلاقُه اسمًا أخرويًّا فإن كان على وجه الجزم فهو المحرَّم الّذي جاءت فيه النصوص ، وهو كالشهادة بالجنَّة له ، وإن كان على وجه الفأل فالأولى تقييدهُ بالمشيئةِ احترازًا من توهُّم التزكيةِ الممنوعةِ . اهـ
قلت : هذا القول قريب مما سبقه ، إلا أنه احترز أكثر ، فعلقه على المشيئة ، وتعليقه على المشيئة لم يرد في السنة وفعل السلف ، وإن كان هذا من أفضل الأقوال وأقربها إن شاء الله تعالى .
3- قول من قال : إن مات بأحد أسباب الشهادة فيقال عنه شهيد .
قلت : الظاهر والمتعارف عليه ، أن من يسمى شهيدا لا يسميه الناس بذلك إلا لأحد أسباب الشهادة ، ومع ذلك فالأسباب كانت متحققة فيمن نفى عنه نبينا الشهادة في الأحاديث المشهورة الصحيحة كحديث صاحب الشملة وغيره ، كما ذكرنا .

وبقي أن نقول : أي القولين أبعد عن الشبهة
لا شك أن الافتئات على الله فيه ما فيه ، والخروج منه إنما هو باستخدام الألفاظ التي ليس فيها نهي كما مر أثر عمر وابن مسعود ..
ولنا الترحم عليهم والدعاء لهم وحسن الظن بهم .. وهو مستفيض في الأدلة ..
كما في الحديث : من هذه المتألية على الله ؟ وقد مر معنا .
وبهذا يتبين أنه لا يجوز أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد ، إلا بنص أو إجماع ..
ومن كان ظاهره الصلاح والتقوى ، فإننا نرجو له الخير كما سبق ، وهذا كاف في منقبته ، وعلمه عند الله خالقه سبحانه وتعالى .

استهانة الناس بهذه المسألة
وقد استهان كثير من الناس بهذه المسألة ، وخبطوا فيها خبط عشواء ، وأمر الشهيد لأنه غيب عنا ولأنه مقام عال رفيع لا يعلوه إلا مقام الأنبياء والصديقين ، فالأولى ألا يستهين به الناس لا سيما مع التوسع الحادث في هذه المسألة ، فكل علماني زنديق قد يطلقوا عليه شهيد ..
ورحم الله ورضي عن الصحابي الجليل أنس بن مالك عندما قال : إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر ، كنا نَعُدُّها على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات .
رواه البخاري (6492) وأحمد في المسند (12625) .

نتائج البحث :
فأخلص من هذه البحث بهذه النتائج :
1- الخلاف ليس خلافا يعتد به لأنه خلاف النص .
2- الفتاوى لأجلة العلماء لا تناهض النصوص الصريحة في الموضوع .
3- النهي عن إطلاق اسم الشهيد على المعين إلا بنص أو إجماع .
4- الإجماع هو ما يتماشى مع الحديث السابق : أنتم شهداء الله في الأرض .
5- لا يصح الاستثناء فيقال: هو شهيد إن شاء الله لمجرد أنه مات بأحد أنواع الشهادة ، لأنه لم يعرف عن السلف أولا ، ولأنه جزم سبق الاستثناء ثانيا .
6- التفرقة بين الشهادة للمؤمن ظاهر الصلاح والتقوى بالجنة ، ومن مات بصورة من صور الشهادة ، فالأولى محتملة للنص عليها ، والثانية مردودة لوجود النص .

وهذا آخر المستطاع ، وغاية الجهد ، فإن كان ما فيه صوابا فبفضل الله وكرمه ومَنِّهِ ، وإن كان من خطأ ، فنشهد الله أن ليس للشيطان فيه نصيب ، وإنما هو من عجز الإنسان ، وهو الظلوم الجهول ..
والله من وراء القصد وهو يهدي سواء السبيل .

 

رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
لا يوجد


تعليمات المشاركة
تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:52 PM
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML